نخبة من الأكاديميين
747
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
كمدرّسين أو مهندسين أو أطبّاء ، وتعهّدوا العلوم الحديثة في مصر ، أي أخذوا على عاتقهم توطينها وإعطائها شرعيّةً في المجتمع المصري . ولكن ، ومن جهة أخرى ، لم تقتصر الروابط بين هؤلاء العلميين على الصداقات المتينة التي كانت غالباً ما تربط بين أعضائها ، أو على الروابط العائليّة ، بل كانت أبعد من ذلك ، إذ أنّ مجموعة العلميّين هذه قد تجمّعت حول مشاريع تبدو لنا من القوّة بحيث تمكّننا بالفعل من استعمال عبارة " الوسط العلمي " . 5 - 1 . إعادة بناء لغة علميّة أوّل هذه المشاريع هو ، بدون شك ، تكييف اللغة العربيّة مع المعارف الجديدة . ولهذه المهمّة ، كرّس مثلًا المدعو محمّد بيّومي ( حوالي العام 18101852 ) ، معظم حياته المهنيّة ، كمدير لمكتب ترجمة العلوم الرياضيّة . وكان بيّومي أحد أعضاء البعثة المدرسيّة التي أُرسلت إلى باريس عام 1826 ، حيث تخرّج من مدرسة " ال - وليتِكنيك " ومن مدرسة " الجسور والطرق " ( « 1 » * ) . وكما في مناطق أخرى من العالم ، كان السبب الأوّل لحركة ترجمة الكتيّبات العلميّة إلى العربيّة ، هو ضرورة تأمين وسائل إسناد الدروس التي كانت تُعطى في المدارس العليا . حركة الترجمة هذه ، التي بدأت في السنوات 1820 ولو بشكل غير منتظم ، حظيت بدفعٍ قوي ، وتوسّعَ نطاقُها بدءاً من السنوات 1835 - 1837 ، وتحديداً مع عودة أعضاء أولى البعثات المدرسيّة من فرنسا ، وخصوصاً مع تأسيس مدرسة اللغات من قِبَل رفاعه الطهطاوي ( 1801 - 1873 ) ومع خلق مكاتب الترجمة . هكذا تمتّعت حركة الترجمة ببنية تحتيّة غير مسبوقة وشهدنا ظهور مهنة جديدة ، هي مهنة المترجِم المختص . وقد شكّلت السنوات اللاحقة في مصر ، حتى نهاية حكم العبّاس ( العام 1854 ) ، الفترة الأهمّ في إعداد لغة علميّة حديثة بالعربيّة . فقد شهدت هذه الحقبة وجود جسم مؤلّف من عدد كبير من الأشخاص ، المتحدّرين من أصول مختلفة والذين أخذوا على عاتقهم هذا العمل اللغوي . من بين هؤلاء نجد المعلّمين في المدارس العليا ، الذين ، وإن كانوا لا يترجمون بأنفسهم ، كانت لهم سلطة على المحتوى وعلى المفردات ؛ كما نجد من بينهم خرّيجي مدرسة اللغات ، الذين سبق أن تكوّنوا في الوقت نفسه ، باللغتين العربيّة والفرنسيّة ؛ كما نجد " عُلماء " ( « 2 » * ) تخرّجوا من الجامع الأزهر ، كانوا يمارسون عمل المصحّح ويوفّرون ، بطريقةٍ ما ، ضمانة من قِبل المؤسّسة التقليديّة . ومن المؤكّد ، إضافة إلى ذلك ، أنّ السياسة الناشطة في كتابة المقالات وفي النشر ، سمحت بتثبيت هذه اللغة ومفرداتها ، حديثة العهد ، والتي ما كانت لتترسّخ لولا هذه السياسة . باختصار تمّ في هذه الفترة ضبط واعتماد القسم الأهم من المفردات ومن الترميزات ومن وسائل الكتابة ، التي
--> ( 1 ) ( * ) " L'Ecole Polytechnique " et " l'Ecole des Ponts et Chaussees " ؛ وهما حتّى اليوم من مدارس الهندسة العليا الشهيرة في فرنسا ( المترجِم ) . ( 2 ) ( * ) أي علماء ديِن ( المترجِم ) .